الشوكاني

109

فتح القدير

المراد بتبديل نعمة الله كفرا أنهم لما كفروها سلبهم الله ذلك فصاروا متبدلين بها الكفر ( وأحلوا قومهم دار البوار ) أي أنزلوا قومهم بسبب ما زينوه لهم من الكفر دار البوار ، وهي جهنم ، والبوار الهلاك ، وقيل هم قادة قريش أحلوا قومهم يوم بدر دار البوار : أي الهلاك وهو القتل الذي أصيبوا به ، ومنه قول الشاعر : فلم أر مثلهم أبطال حرب * غداة الحرب إذ خيف البوار والأول أولى لقوله ( جهنم ) فإنه عطف بيان لدار البوار ، و ( يصلونها ) في محل نصب على الحال ، أو هو مستأنف لبيان كيفية حلولهم فيها ( وبئس القرار ) أي بئس القرار قرارهم فيها ، أو بئس المقر جهنم ، فالمخصوص بالذم محذوف ( وجعلوا لله أندادا ) معطوف على : وأحلوا : أي جعلوا لله شركاء في الربوبية ، أو في التسمية وهى الأصنام ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو " ليضلوا " بفتح الياء ، أي ليضلوا أنفسهم عن سبيل الله ، وتكون اللام للعاقبة : أي ليتعقب جهلهم لله أندادا ضلالهم ، لأن العاقل لا يريد ضلال نفسه ، وحسن استعمال لام العاقبة هنا لأنها تشبه الغرض والغاية من جهة حصولها في آخر المراتب ، والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز . وقرأ الباقون بضم الياء ليوقعوا قومهم في الضلال عن سبيل الله ، فهذا هو الغرض من جعلهم لله أندادا . ثم هد دهم سبحانه ، فقال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ( قل تمتعوا ) بما أنتم فيه من الشهوات ، وما زينته لكم أنفسكم من كفران النعم وإضلال الناس ( فإن مصيركم إلى النار ) أي مردكم ومرجعكم إليها ليس إلا ، ولما كان هذا حالهم ، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه وانهماكهم فيه لا يقلعون عنه ، ولا يقبلون فيه نصح الناصحين جعل الأمر بمباشرته مكان النهى قربانه إيضاحا لما تكون عليه عاقبتهم ، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار فلا بد لهم من تعاطى الأسباب المقتضية ذلك ، فجملة ( فإن مصيركم إلى النار ) تعليل للأمر بالتمتع ، وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره ، ويجوز أن تكون هذه الجملة جوابا لمحذوف دل عليه سياق الكلام ، كأنه قيل ، فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار ، والأول أولى والنظم القرآني عليه أدل ، وذلك كما يقال لما يسعى في مخالفة السلطان : اصنع ما شئت من المخالفة ، فإن مصيرك إلى السيف ( قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ) لما أمره بأن يقول للمبدلين نعمة الله كفرا الجاعلين لله أندادا ما قاله لهم أمره سبحانه أن يقول للطائفة المقابلة لهم ، وهى طائفة المؤمنين هذا القول والمقول محذوف دل عليه المذكور أي قل لعبادي أقيموا وأنفقوا ويقيموا وينفقوا ، فجزم يقيموا على أنه جواب الأمر المحذوف ، وكذلك ينفقوا ، ذكر معنى هذا الفراء . وقال الزجاج : إن يقيموا مجزوم بمعنى اللام : أي ليقيموا فأسقطت اللام : ثم ذكر وجها آخر للجزم مثل ما ذكره الفراء : وانتصاب سرا وعلانية ، إما على الحال : أي مسرين ومعلنين ، أو على المصدر : أي إنفاق سر وإنفاق علانية ، أو على الظرف : أي وقت سر ووقت علانية . قال الجمهور : السر ما خفى ، والعلانية ما ظهر : وقيل السر التطوع ، العلانية الفرض ، وقد تقدم بيان هذا عند تفسير قوله - إن تبدوا الصدقات فنعما هي - ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ) قال أبو عبيدة : البيع ها هنا الفداء والخلال المخالة ، وهو مصدر . قال الواحدي : هذا قول جميع أهل اللغة . وقال أبو علي الفارسي : يجوز أن يكون جمع خلة مثل برمة وبرام وعلبة وعلاب ، والمعنى : أن يوم القيامة لا بيع فيه حتى يفتدى المقصر في العمل نفسه من عذاب الله بدفع عوض عن ذلك ، وليس هناك مخاللة حتى يشفع الخليل لخليله وينقذه من العذاب ، فأمرهم سبحانه بالإنفاق في وجوه الخير مما رزقهم الله ما داموا في الحياة الدنيا قادرين على إنفاق أموالهم من قبل أن يأتي يوم القيامة . فإنهم لا يقدرون على ذلك بل لا مال لهم إذ ذاك ، فالجملة أعني " من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال " لتأكيد مضمون الأمر بالإنفاق مما رزقهم الله ، ويمكن أن يكون فيها أيضا تأكيد